أصبحت قصة صعود يان ديوماندي معروفة للكثيرين. فقد حقق الجناح الإيفواري قفزة استثنائية في مسيرته الكروية، بعدما انتقل خلال عام واحد فقط من أكاديمية للشباب في ولاية فلوريدا، مرورًا بدوري United Premier Soccer League شبه الاحترافي في الولايات المتحدة، ثم إلى دوري الدرجة الثانية الإسباني، قبل أن ينضم إلى لايبزيغ في الدوري الألماني.
لكن خلف هذه القصة توجد تفاصيل كثيرة؛ فقد خاض اللاعب تجارب غير ناجحة مع أندية في الدوري الإنجليزي الممتاز والدوري الاسكتلندي، كما رفض بعض وكلاء اللاعبين تمثيله، في حين فشلت أندية الدوري الأمريكي (MLS) في اكتشاف موهبته.
وأصبحت القيمة السوقية لديوماندي اليوم ضخمة للغاية، لكن في بدايات مسيرته، عندما كان التأهل إلى دوري أبطال أوروبا والتتويج بجائزة أفضل لاعب شاب في الدوري الألماني مجرد حلم بعيد، بدا وكأنه يدفع ثمن قلة إيمان الآخرين بقدراته.
لايبزيغ كان مختلفًا
لم يكن هذا الشعور موجودًا داخل لايبزيغ.
فقد انتقل ديوماندي إلى ليغانيس أواخر عام 2024، حيث بدأ مع الفريق الرديف قبل أن يشارك في عدد محدود من المباريات مع الفريق الأول في الدوري الإسباني.

ورغم قصر تلك الفترة، كانت بياناته الفنية كافية لتلفت انتباه قسم تحليل البيانات في مجموعة ريد بول، الذي أوصى إدارة لايبزيغ بشكل واضح:
“تعاقدوا معه… تعاقدوا معه فورًا.”
وتحدثت صحيفة The Athletic مع المدير الرياضي للنادي، مارسيل شيفر، في مطلع عام 2026، حيث أوضح أن المفاوضات مع ليغانيس لم تكن معقدة.
فقد كان عقد ديوماندي يتضمن شرطًا جزائيًا بقيمة 20 مليون يورو (17.3 مليون جنيه إسترليني)، ولم يكن أمام لايبزيغ سوى خيارين: دفع قيمة الشرط الجزائي أو خسارة اللاعب لصالح نادٍ آخر.
وفي النهاية، قرر النادي الألماني دفع المبلغ كاملًا.
توقعوا وصول قيمته إلى 100 مليون يورو
داخل أروقة لايبزيغ، كان الحماس تجاه ديوماندي كبيرًا منذ البداية.
فقد أكد عدد من العاملين في النادي، خلال أحاديثهم مع The Athletic الصيف الماضي، أن اللاعب يمتلك إمكانات استثنائية، وتوقعوا أن يجتاح الدوري الألماني، وأن تصل قيمته السوقية إلى 100 مليون يورو خلال سنوات قليلة.
في ذلك الوقت، بدت هذه التوقعات مبالغًا فيها.
فمن المعتاد أن تبالغ الأندية في الحديث عن لاعبيها، خاصة عندما تعتمد استراتيجيتها على اكتشاف المواهب الشابة وتطويرها قبل بيعها إلى أكبر الأندية الأوروبية.
وغالبًا ما تتحدث الأندية بإسهاب عن تألق لاعبيها في التدريبات وأخلاقياتهم العالية في العمل، لكن هذه التصريحات تكون في كثير من الأحيان مجرد دعاية.
أما مع ديوماندي، فكان الأمر مختلفًا تمامًا.
وخلال المعسكر التدريبي الصيفي الذي أقامه لايبزيغ في سويسرا، خرج كثير ممن تابعوا الفريق بانطباعات إيجابية للغاية عن اللاعب، مؤكدين أنه يملك إمكانات استثنائية.
الانطلاقة الحقيقية
بدأ ديوماندي يفرض اسمه بقوة في شهر أكتوبر، بعدما قدم أداءً رائعًا أمام أوغسبورغ.
وسجل هدفًا مميزًا بعد اختراقه دفاع المنافس، كما صنع هدفين آخرين في الفوز الكبير بنتيجة 6-0، وهي المباراة التي شكلت نقطة التحول في موسمه.
وبعد أسبوع واحد فقط، حصل على جائزة رجل المباراة أمام شتوتغارت.
ثم واصل تألقه بعد سبعة أيام أخرى، عندما قدم عرضًا مميزًا أمام هوفنهايم.
وقبل عطلة أعياد الميلاد، سجل أول هاتريك في مسيرته الاحترافية، خلال الفوز الساحق على آينتراخت فرانكفورت بنتيجة 6-0، في مباراة فرض فيها سيطرته الكاملة، لينال من صحيفة بيلد الألمانية الشهيرة التقييم الكامل (1)، وهو أعلى تقييم يُمنح للاعب في المباراة.
بحلول العطلة الشتوية.. أصبح ديوماندي نجمًا
عندما توقفت منافسات الدوري الألماني خلال العطلة الشتوية، وتوجه يان ديوماندي للمشاركة مع منتخب كوت ديفوار في كأس الأمم الأفريقية، كان قد تحول بالفعل إلى أحد نجوم البطولة.
بل إن التطور الذي حققه في موسمه الأول كان لافتًا، لدرجة أنه مع افتتاح سوق الانتقالات الشتوية في يناير، أصبحت معظم الأندية الأوروبية الكبرى مهتمة بالتعاقد معه، بل إن بعضها تقدم باستفسارات رسمية لمحاولة ضمه فورًا.
لكن جميعها تراجعت بعد أن حدد لايبزيغ مطالبه بوضوح: 100 مليون يورو أو لا تفاوض، لتقرر تلك الأندية تأجيل محاولاتها حتى فترة الانتقالات الصيفية.
لاعب متكامل وصعب الإيقاف
أنهى ديوماندي الموسم مسجلًا 12 هدفًا وصانعًا 8 أهداف، لكن هذه الأرقام وحدها لا تعكس حقيقة إمكانياته.
فاللاعب الإيفواري يجيد استخدام كلتا القدمين، ويستطيع مراوغة المدافعين سواء من الجهة اليمنى أو اليسرى، كما يمكنه التفوق عليهم بمهاراته الفنية أو بقوته البدنية.
ويتميز أيضًا بقدرته على التسجيل بطرق مختلفة، سواء عبر التسديدات الدقيقة أو القوية، كما يستطيع الوصول إلى المرمى ببناء الهجمة بذكاء أو بفرض نفسه بقوته وسرعته.
ومع مرور الوقت، يبدو أنه في طريقه ليصبح من نوعية اللاعبين الذين يشكلون خطرًا حقيقيًا في كل مرة تصلهم الكرة.
سره الأكبر… الانفجار في السرعة
أكثر ما يثير قلق أي مدافع يواجه ديوماندي، خصوصًا في المواجهات الفردية، هو قدرته المذهلة على تغيير سرعته خلال لحظات.
فقد احتل هذا الموسم المركز الخامس في قائمة أسرع لاعبي الدوري الألماني، متفوقًا على أسماء بارزة مثل كريم أديمي (الذي انتقل لاحقًا إلى برشلونة)، وسعيد المالة لاعب كولن، وبازومانا توري لاعب هوفنهايم السابق والمنضم حاليًا إلى نيوكاسل.
لكن ما يميز ديوماندي ليس السرعة القصوى فقط، بل التسارع الهائل الذي يمتلكه، إذ يستطيع الانطلاق بسرعة كبيرة حتى من وضعية الثبات، وهو ما يجعل إيقافه عندما تكون الكرة بحوزته مهمة بالغة الصعوبة.
إنه، بكل بساطة، ومضة برق.
أسرع مما توقعه لايبزيغ
في النهاية، يبدو أن مسؤولي لايبزيغ أنفسهم كانوا متحفظين في تقديراتهم.
فبدلًا من أن يصبح ديوماندي لاعبًا تبلغ قيمته 100 مليون يورو خلال عامين، كما توقعوا، فإنه ربما وصل إلى تلك القيمة بالفعل بعد موسم واحد فقط.


