المقالات الرياضية

سر نجاح إسبانيا في مونديال 2026.. كيف صنعت منظومة متكاملة أنجبت جيلًا ذهبيًا؟

قد لا يكون هناك مرشح واضح للفوز عندما يلتقي منتخبا إسبانيا والأرجنتين في نهائي كأس العالم 2026، لكن الطريق الذي سلكه كل منتخب للوصول إلى المباراة النهائية كان مختلفًا تمامًا.

ففي الجانب الأرجنتيني، يبقى ليونيل ميسي النجم الأول بلا منازع. فهو ضمن الهدافين التاريخيين لكأس العالم برصيد 21 هدفًا (قبل المباراة النهائية)، كما توج بجائزة أفضل لاعب في نسخة 2022 بعدما سجل سبعة أهداف وصنع ثلاثة أخرى. وقبل نهائي 2026، وصل رصيد ميسي إلى ثمانية أهداف وأربع تمريرات حاسمة في البطولة الحالية.

ورغم امتلاك الأرجنتين مجموعة من أبرز نجوم كرة القدم العالمية، فإن ميسي يبقى محور الفريق الأول.

أما في الجانب الإسباني، فالصورة مختلفة تمامًا.

يمتلك المنتخب الإسباني العديد من اللاعبين العالميين، لكن الفريق نفسه هو النجم الحقيقي. وحتى مع وجود لاعب استثنائي مثل لامين يامال، الذي نافس على الكرة الذهبية بعمر 18 عامًا، فإن أي لاعب لا يتقدم على المنظومة الجماعية. فكل لاعب يؤدي دوره المحدد داخل النظام التكتيكي ويلتزم به بصورة كاملة.

وقال النجم السويدي السابق زلاتان إبراهيموفيتش، الذي يعمل محللًا في شبكة FOX Sports، عقب فوز إسبانيا على فرنسا بنتيجة 2-0 في نصف النهائي:

“عندما أتحدث عن إسبانيا، لا أتحدث عن نجم واحد… الفريق هو النجم. عندما يتألق، فإنه يتألق جماعيًا، حتى بوجود لامين يامال. هذا المنتخب لا يعتمد على لاعب واحد، بل يعتمد على الأداء الجماعي.”

أساس المنظومة الإسبانية

يرتكز المنتخب الإسباني الحالي على مشروع بدأ قبل سنوات طويلة.

بين عامي 2004 و2008 قاد المدرب لويس أراغونيس المنتخب الإسباني، قبل أن يخلفه فيسنتي ديل بوسكي بين عامي 2008 و2016.

وخلال تلك الحقبة، حققت إسبانيا أعظم إنجازاتها التاريخية بالفوز:

  • كأس أمم أوروبا 2008
  • كأس العالم 2010
  • كأس أمم أوروبا 2012

واعتمد ذلك الجيل على أسماء بارزة مثل:

  • دافيد فيا
  • فرناندو توريس
  • سيسك فابريغاس
  • أندريس إنييستا
  • جيرارد بيكيه
  • كارليس بويول

وفي تلك الفترة، طورت إسبانيا وبرشلونة أسلوب “التيكي تاكا”، الذي اعتمد على:

  • التمريرات القصيرة المتواصلة
  • تشكيل مثلثات للتمرير
  • الاستحواذ الكامل
  • اللعب بإيقاع سريع
  • وقد نجح هذا الأسلوب لسنوات، لكنه فقد فعاليته تدريجيًا.

سنوات التراجع

بعد رحيل الجيل الذهبي، واجه المنتخب الإسباني صعوبات كبيرة.

فخرج من دور المجموعات في مونديال 2014، ثم ودع نسختي 2018 و2022 من دور الـ16.

وبعد الإقصاء في قطر 2022، قرر الاتحاد الإسباني منح الثقة للمدرب لويس دي لا فوينتي لقيادة المنتخب الأول.

وكان القرار جريئًا، إذ فضلت إسبانيا الاعتماد على مدرب من داخل المنظومة بدلًا من البحث عن اسم عالمي جديد.

دي لا فوينتي… مهندس الجيل الجديد

عمل دي لا فوينتي مدربًا لمنتخبات الفئات العمرية منذ عام 2013.

وخلال تلك الفترة حقق نجاحات كبيرة:

  • التتويج ببطولة أوروبا تحت 19 عامًا.
  • الفوز ببطولة أوروبا تحت 21 عامًا.
  • قيادة منتخب إسبانيا الأولمبي إلى الميدالية الفضية في أولمبياد طوكيو 2020 (التي أقيمت عام 2021).

وعندما تولى تدريب المنتخب الأول، لم يسع إلى هدم الهوية الإسبانية، بل عمل على تطويرها.

فحافظ على سرعة التمريرات والاستحواذ، لكنه أضاف أفكارًا جديدة أبرزها:

تحسين الضغط الجماعي لاستعادة الكرة بسرعة.

الوصول المباشر إلى الثلث الهجومي بسرعة أكبر.

زيادة الكثافة في العمق لفتح المساحات أمام الأجنحة.

مشروع موحد داخل جميع المنتخبات

لم يكن دي لا فوينتي يعمل بمفرده.

فالمدرب سانتي دينيا، الذي كان يشرف على منتخبات الفئات السنية أيضًا، اعتمد المنظومة التكتيكية نفسها.

وعندما انتقل دي لا فوينتي إلى المنتخب الأول، تولى دينيا تدريب منتخب تحت 21 عامًا والمنتخب الأولمبي، محافظًا على نفس الفلسفة الكروية.


صيف تاريخي لإسبانيا في 2024

جنى المشروع ثماره في صيف 2024.

فقد توج المنتخب الأول بلقب يورو 2024 بعد الفوز في جميع مبارياته السبع.

وشهد طريقه نحو اللقب انتصارات على:

  • إيطاليا
  • كرواتيا
  • ألبانيا
  • جورجيا
  • ألمانيا
  • فرنسا
  • إنجلترا في النهائي

وفي الوقت نفسه، قاد سانتي دينيا المنتخب الأولمبي إلى الميدالية الذهبية بعد الفوز على:

  • اليابان
  • المغرب
  • فرنسا في النهائي


انتقال سلس إلى المنتخب الأول

لم تقتصر نجاحات المشروع على الألقاب فقط، بل ساعد أيضًا في تجهيز اللاعبين للمنتخب الأول.

وضمت قائمة كأس العالم 2026 خمسة لاعبين من المنتخب الأولمبي المتوج بالذهب، أبرزهم:

  • باو كوبارسي
  • أليكس بايينا

وكان من الممكن أن يصبح العدد ستة، لولا إصابة فيرمين لوبيز بكسر في القدم قبل البطولة.

وقال سانتي دينيا:

“لويس بارع في إدارة اللاعبين. يعرف كيف يتعامل معهم، ويختار التشكيلة المناسبة لكل مباراة، كما يطور المنظومة وفقًا لقدرات اللاعبين. نحن جميعًا نؤمن بهذا المشروع.”

مونديال 2026… نجاح المنظومة

ساعد توحيد أسلوب اللعب بين المنتخبات السنية والمنتخب الأول وعدد من الأندية الإسبانية، دي لا فوينتي في اختيار قائمة متجانسة للمونديال.

لكن القائمة أثارت جدلًا كبيرًا.

فلم تضم أي لاعب من ريال مدريد، بينما ضم المنتخب ثمانية لاعبين من برشلونة.

ورغم الانتقادات، تمسك المدرب بموقفه وقال:

“هذه هي القائمة المثالية… إنها تضم اللاعبين الـ26 الذين أردناهم.”

وأضاف:

“أفضل اللاعبين ليسوا فقط في ريال مدريد أو برشلونة أو أتلتيكو مدريد، بل يوجد لاعبون رائعون في أندية أخرى، ونحن نختار من يناسب منظومتنا.”


الأرقام تؤكد نجاح المشروع

حتى الوصول إلى النهائي، لم يتعرض المنتخب الإسباني لأي خسارة في كأس العالم 2026.

كما استقبل هدفًا واحدًا فقط خلال أول سبع مباريات، وكان ذلك في الفوز على بلجيكا بنتيجة 2-1 في ربع النهائي، بينما انتهت مباراته أمام الرأس الأخضر بالتعادل السلبي.


تييري هنري: إسبانيا تنجح في كل المستويات

أشاد النجم الفرنسي تييري هنري، الذي خسر نهائي أولمبياد باريس أمام إسبانيا عندما كان مدربًا لمنتخب فرنسا الأولمبي، بالمنظومة الإسبانية، وقال:

“إسبانيا تجد دائمًا طريقة للفوز في جميع الفئات… كرة القدم النسائية، منتخبات الشباب، الألعاب الأولمبية… الجميع يلعب بنفس الهوية والفلسفة.”

وأضاف:

“المدرب يعرف المنظومة، واللاعبون يعرفونها أيضًا، ولذلك ترى فريقًا مليئًا بالنجوم، لكن العمل الجماعي يأتي أولًا.”

واختتم حديثه بقوله:

“إسبانيا لم تكن تفوز بهذه الطريقة في الماضي، لكنها اليوم تحقق النجاح على جميع المستويات.”


مواجهة الفلسفة أمام الأسطورة

تصل إسبانيا إلى نهائي كأس العالم 2026 وهي تمتلك واحدة من أكثر المنظومات تكاملًا في كرة القدم الحديثة، بينما تدخل الأرجنتين بقيادة ليونيل ميسي، بطل العالم وحامل لقب كوبا أمريكا مرتين متتاليتين.

وفي النهائي المرتقب، سيكون العالم على موعد مع مواجهة استثنائية بين منظومة جماعية متكاملة وأسطورة كروية تقود منتخبًا بأكمله.

أضف تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *