“أعتذر يا سيد مبابي، لكن المدرب طلب مني أن أضعك في جيبي.”
هذه العبارة، المرفقة بصورة لطفل في الرابعة من عمره تقريبًا، بوجنتين ممتلئتين وعينين زرقاوين واسعتين، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي عقب فوز إسبانيا على فرنسا 2-0 في نصف نهائي كأس العالم.
وكان الطفل في الصورة هو باو كوبارسي عندما كان يبلغ نحو أربع سنوات.
واليوم، وبعد مرور 15 عامًا، أصبح المدافع البالغ من العمر 19 عامًا بطلًا لكأس العالم، كما تُوج بجائزة أفضل لاعب شاب في البطولة.
صخرة دفاعية قادت إسبانيا إلى اللقب
لم تستقبل إسبانيا سوى هدف واحد فقط طوال البطولة، وكان الفضل في ذلك يعود بدرجة كبيرة إلى الأداء الدفاعي المميز الذي قدمه كوبارسي.
ولم يقتصر تأثيره على الجانب الدفاعي، بل أظهر أيضًا جودة استثنائية في بناء اللعب وتمرير الكرة، وهو ما كان أحد أهم أسباب سيطرة المنتخب الإسباني على مجريات المباريات في الأدوار الإقصائية.
نهائي استثنائي أمام الأرجنتين
واجهت إسبانيا اختبارًا صعبًا في النهائي أمام الأرجنتين.
وخلال الوقت بدل الضائع من الشوط الثاني، تعرض كوبارسي لتدخل قوي من إنزو فرنانديز أطاح به أرضًا، وهو التدخل الذي أسفر عن حصول لاعب الأرجنتين على البطاقة الصفراء الثانية، ثم الطرد.
وفي الدقائق الأخيرة من الوقت الإضافي، ومع ضغط الأرجنتين بحثًا عن هدف التعادل، أنقذ كوبارسي منتخب بلاده بإبعاد كرة حاسمة من أمام البديل ماركوس سينيسي، ليحافظ على تقدم إسبانيا.
أرقام تؤكد الهيمنة
رغم كل الضغوط، بقي كوبارسي هادئًا وثابتًا في قلب الدفاع.
وأنهى المباراة النهائية متصدرًا جميع لاعبي المباراة في:
- أكثر عدد من اللمسات.
- أكثر عدد من التمريرات الناجحة.
- أعلى نسبة دقة في التمرير.
- أكثر تمريرات كسرت خطوط المنافس.
- أكثر عمليات تشتيت للكرة.
كما أصبح ثاني لاعب في تاريخ نهائيات كأس العالم يكمل أكثر من 100 تمريرة في المباراة النهائية.
وأظهرت البيانات الإحصائية كيف كان المسؤول الأول عن ضبط إيقاع لعب المنتخب الإسباني طوال اللقاء.
تألق متواصل في الأدوار الإقصائية
ولم يكن هذا الأداء استثناءً.
ففي ربع النهائي أمام بلجيكا، والذي انتهى بفوز إسبانيا 2-1، أكمل كوبارسي 91 تمريرة بنسبة نجاح بلغت 97.8%.
أما في نصف النهائي أمام فرنسا، المرشح الأبرز للفوز بالبطولة بالنسبة للكثيرين، فقد نجح في تحييد كيليان مبابي بالكامل، ليخرج نجم ريال مدريد من المباراة دون أي تأثير يُذكر.
وكل ذلك جاء في أول بطولة دولية كبرى يخوضها اللاعب.
من لا ماسيا إلى المجد العالمي
"Lo siento señor Messi, no le puedo dejar pasar. Luis de la Fuente me ha dicho que tengo que ganar el Mundial"
— DAZN España (@DAZN_ES) July 20, 2026
Qué Mundial ha hecho Don Pau Cubarsí 🌟 pic.twitter.com/4yPOZXeTqlينتمي كوبارسي إلى جيل أكاديمية لا ماسيا مواليد 2007، وهو الجيل نفسه الذي أنجب لامين يامال.
وكان اللاعبان زميلين خلال مراحل التكوين داخل أكاديمية برشلونة، قبل أن يصعد يامال إلى الفريق الأول خلال موسم 2023-2024.
وفي يناير/كانون الثاني 2024، خاض كوبارسي أول مباراة له مع الفريق الأول لبرشلونة أمام يونيونيستاس دي سالامانكا في كأس ملك إسبانيا، وذلك قبل أيام قليلة فقط من عيد ميلاده السابع عشر.
ومنذ ذلك الحين، لم ينظر إلى الوراء.
ورغم أن تطوره لسنوات ظل في ظل الصعود الاستثنائي الذي حققه لامين يامال، فإن مسيرته كانت مبهرة أيضًا.
نجاح لا يقل عن لامين يامال
أصبح كوبارسي عنصرًا أساسيًا في تشكيلة برشلونة منذ نحو عامين ونصف.
ورغم أن بريق يامال خطف الأضواء، فإن اختراق كوبارسي للفريق الأول لا يقل إعجابًا، خاصة أنه يلعب في مركز قلب الدفاع، وهو المركز الذي قد يؤدي فيه خطأ واحد فقط إلى استقبال فريقه هدفًا.
وريث بيكيه
يرى كثيرون أن كوبارسي هو أقرب لاعب امتلكته إسبانيا منذ سنوات إلى جيرارد بيكيه، بطل كأس العالم 2010 وكأس أوروبا 2012.
فهو يتميز بالهدوء والثقة والقدرة على صناعة اللعب من الخلف، إلى جانب نضجه الكبير داخل الملعب.
ورغم أن المستوى الذي قدمه في هذه البطولة فاجأ البعض، فإنه سبق أن أظهر هذه الشخصية مع برشلونة، أحد أكثر الأندية تطلبًا وضغطًا في عالم كرة القدم.
من قرية صغيرة إلى بطل للعالم
ذلك الهدوء الذي يميز باو كوبارسي يعود إلى نشأته في قرية إستانيول (Estanyol) الريفية الصغيرة في إقليم كتالونيا، والتي لا يتجاوز عدد سكانها 195 نسمة.
وينحدر كوبارسي من عائلة تعمل في النجارة. وحتى عندما كان يبلغ 17 عامًا، صنع بنفسه مقعدًا خشبيًا ضمن مشروعه المدرسي، مواصلًا بذلك تقليدًا عائليًا توارثته الأسرة.
قرية تشبه عالم “سيد الخواتم”
أفضل وصف لقرية إستانيول هو أنها تشبه المشاهد التي يتخيلها المرء أثناء السير في منطقة The Shire في سلسلة The Lord of the Rings.
مروج خضراء واسعة، وتلال بركانية تحيط بالمكان، وطرق ريفية ضيقة تتخللها أزهار الخشخاش البرية، في أجواء هادئة تكاد تخلو من حركة المرور.
لحظة لن ينساها أبدًا
في عام 2018، وأثناء عودته مع والديه من مدينة يوريت دي مار الساحلية، أخبراه بأنه سيوقع لبرشلونة وهو في الحادية عشرة من عمره.
وكانت ردة فعله تشبه أي طفل كتالوني يحلم بارتداء قميص برشلونة.
بدأ يصرخ من شدة الفرحة، ويحرك قدميه في الهواء وهو لا يزال مربوطًا بحزام الأمان داخل السيارة.
وعندما وصل إلى المنزل، قفز من السيارة وبدأ يركض من شدة السعادة.
استثناء من برشلونة
بعد انضمامه للنادي، انتقل للإقامة في لا ماسيا، مقر إقامة لاعبي الأكاديمية.
ورغم أن هذا السكن مخصص عادةً للاعبين القادمين من خارج كتالونيا، فإن برشلونة صنع استثناءً لكوبارسي.
فهو كان يعيش داخل كتالونيا، بالقرب من مدينة جيرونا، لكن قريته كانت بعيدة ومعزولة للغاية، لذلك رأى النادي أن الإقامة داخل الأكاديمية هي الخيار الأنسب.
بقي في لا ماسيا رغم شهرته
ورغم أنه أصبح لاعبًا أساسيًا مع برشلونة منذ سن السابعة عشرة، فإن كوبارسي استمر في الإقامة داخل لا ماسيا حتى بعد بلوغه سن الرشد بعدة أشهر في عام 2025.
وكان المقربون منه يرون أن ذلك مهم للحفاظ على تواضعه واستقراره، خاصة أنه وصل للفريق الأول في سن مبكرة.
وكان الأمر يعني أنه، بعد خوض مباريات دوري أبطال أوروبا، يعود لينام في مقر الأكاديمية مع اللاعبين الذين هم في عمره.
وعندما يحصل على إجازة، كان يعود مباشرة إلى ملاذه الهادئ في قرية إستانيول.
يعود إلى النجارة في أيام الإجازة
يؤكد جيران عائلته أنهم كثيرًا ما يشاهدونه يساعد والديه في أعمال النجارة خلال أيام الراحة من التزاماته مع برشلونة.
فعندما يخلع حذاء كرة القدم، يعود ببساطة ليكون “باو” مرة أخرى.
وقال كوبارسي في حديثه لـ The Athletic خلال شهر أكتوبر:
“عندما أكون هناك، يكون هدفي الوحيد هو الاستمتاع بوقتي مع عائلتي وأقرب أصدقائي. لا توجد أي هموم أو مشتتات أخرى. وعندما ألعب كرة القدم أشعر بالإحساس نفسه؛ أكون مركزًا وهادئًا.”
اختار العائلة بدل الاستقلال
وعندما غادر لا ماسيا، لم ينتقل للعيش بمفرده أو مع أصدقائه.
بل اختار السكن مع شقيقته الكبرى إيرين، التي تدرس العلاج الطبيعي.
ورغم أن حياته تغيرت بالكامل بعد صعوده السريع، فإنه حرص على أن تبقى البيئة المحيطة به مألوفة ومستقرة.
لاعب مخضرم… بقلب طفل
يلعب كوبارسي داخل الملعب بخبرة لاعب مخضرم، لكنه لا يزال يحتفظ بابتسامة وبراءة ذلك الطفل الصغير الذي كان يركل قدميه في الهواء عندما علم بأنه سينضم إلى برشلونة.
ورغم أن ملامحه ما زالت بريئة، فإن وجهه يحمل أيضًا آثار المعارك التي خاضها داخل الملعب.
وأبرزها الإصابة التي تعرض لها في مباراة أمام ريد ستار بلغراد في دوري أبطال أوروبا، عندما تلقى ركلة غير مقصودة في الوجه، اضطر بعدها إلى إجراء 10 غرز طبية.
حياة هادئة بعيدًا عن الأضواء
يتميز كوبارسي بهدوء أعصابه، ولا يبحث عن الشهرة أو الأضواء.
وخارج كرة القدم، يفضل حياة بسيطة وهادئة، كما يحرص على النوم ما بين 10 و12 ساعة يوميًا.
الطفل الذي أصبح بطلًا للعالم
في أعماقه، لا يزال باو كوبارسي ذلك الطفل اللطيف ذو الوجنتين الممتلئتين الذي ينظر إلى الكاميرا بابتسامة بريئة.
الطفل نفسه الذي اعتذرت النسخ الساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي باسم “السيد مبابي” لأنه لم يسمح له بالمرور.
أما اليوم… فقد أصبح بطلًا للعالم.
باو كوبارسي.. أفضل لاعب شاب في كأس العالم الذي يلعب بخبرة المخضرمين ويملك ملامح البراءة

