المقالات الرياضية

الحكاية الكاملة لآخر ليلة لميسي في كأس العالم

حزن رقصة التانغو الأخيرة لليونيل ميسي

وجد ليونيل ميسي نفسه محاطًا بالجميع.

عشرات الآلاف من الجماهير كانوا يراقبونه من مدرجات ملعب ميتلايف، فيما كان مليارات الأشخاص يتابعونه حول العالم. ومع ذلك، لم يبدُ أحد أكثر وحدةً منه في تلك اللحظة.

عندما أطلق الحكم صافرة نهاية نهائي كأس العالم، اندفع بدلاء منتخب إسبانيا من مقاعدهم إلى أرض الملعب للاحتفال مع زملائهم. أما ميسي، فبقي وحيدًا، مهزومًا. بدا وكأنه أخيل الأرجنتيني. وكما حدث طوال المباراة، لم يجد أي مساحة للتنفس. وما إن انتهت المواجهة حتى التف الجميع حوله في لحظة، وكأن الضغط العالي الذي فرضته إسبانيا خلال اللقاء استمر حتى بعد صافرة النهاية، أمام المرمى الذي عجزت الأرجنتين عن التسجيل فيه.

التقطت عدسات المصورين نظرة شاردة، فارغة من كل شيء.

جلس ميسي على الأرض وقد غلبه الإحباط، ثم خلع الحذاء الذي صممته له شركة أديداس خصيصًا، ذلك الحذاء الذي حمل اسم «التانغو الأخير». ورغم أن ضجيج الجماهير ظل يملأ أرجاء ملعب ميتلايف، فإن الموسيقى توقفت بالنسبة إلى ميسي. فقد بدا وكأن رحلته في كأس العالم قد وصلت إلى نهايتها.

وكانت لغة جسده في رقصته الأخيرة تحمل الطابع الأرجنتيني بكل تفاصيله.

فمنذ انطلاق الأدوار الإقصائية، خيّم شبح الوداع على كل خطوة خطتها الأرجنتين. وعلى مدار ستة أسابيع، عاش الجميع إحساسًا واضحًا بأن هذه قد تكون النهاية بالفعل.

حدث ذلك عندما سجل سيدني كابرال هدف التعادل الرائع للرأس الأخضر، وحدث أيضًا عندما تقدمت مصر بهدفين دون رد قبل عشر دقائق من النهاية، ثم عندما أجبر المنتخب السويسري، رغم لعبه بعشرة لاعبين، الأرجنتين على خوض وقت إضافي.

كانت الرحلة أشبه بخطوات رقصة التانغو؛ تقدم وتراجع، دخول وخروج، ثم عودة درامية في كل مرة. وكأن كل مباراة كانت بروفة أخيرة لليلة الوداع. منتخب وقائده يفصل بينهما إيقاع واحد عن الفراق، لا يربطهما سوى أطراف الأصابع، قبل أن يجتمعا مجددًا في عناق جديد.

وكان حضور مباريات الأرجنتين في كانساس سيتي وميامي وأتلانتا ونيويورك يعني الإحساس باقتراب غياب ميسي عن هذا المسرح الكبير؛ ذلك الغياب الذي غنى عنه كارلوس غارديل في واحدة من أكثر أغانيه حزنًا.

وكان أول من وصل إلى ميسي بعد صافرة النهاية هو فيران توريس، اللاعب الذي كان يأمل أن يكون بطل المباراة.

لكن بدلًا من مواساة ميسي، انشغل لاعبو الأرجنتين في اشتباك جماعي، وكان لياندرو باريديس في قلب تلك الأحداث، لتزداد قسوة ليلة شوهها أيضًا طرد إنزو فرنانديز، الذي ترك منتخبًا مرهقًا يخوض وقتًا إضافيًا للمرة الثالثة في البطولة وهو منقوص العدد.

ولم تلمع النجمة الرابعة فوق قميص الأرجنتين.

وقال المدرب ليونيل سكالوني بعد اللقاء:

«لم نتمكن من مجاراة إسبانيا كرويًا اليوم.»

ولمس ميسي الكرة مرة واحدة فقط خلال أول خمس عشرة دقيقة من المباراة.

أما أوناي سيمون، فلم يحتج إلى القيام بأي تصدٍ حقيقي حتى الوقت بدل الضائع من الشوط الثاني، عندما أمسك بإحدى الكرات العرضية الأرضية.

لم تستطع الأرجنتين الاحتفاظ بالكرة، ولم تقترب من مرمى إسبانيا أكثر من جماهيرها التي ارتدت القمصان الزرقاء والبيضاء في المدرجات.

ونتيجة لذلك، بدا ميسي غائبًا عن المشهد، تمامًا مثل آلاف الجماهير التي ارتدت قميصه رقم 10.

ولم يتجاوز معدل أهدافه المتوقعة (xG) حاجز 0.03.

وعندما صعد رودري إلى منصة التتويج لتسلّم جائزة أفضل لاعب في المباراة، دوّت هتافات الجماهير:

«ميسي… ميسي…»

هتافات جمعت بين رفض الاعتراف بالنهاية والدعم اللامحدود، وهو شعور يكاد يكون فطريًا لدى الجماهير الأرجنتينية.

بعدها، تقدم ميسي زملاءه لتسلّم الميداليات الفضية من رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب.

ثم بدا تائهًا، لا يعرف إلى أين يتجه، رجلًا يبلغ من العمر 39 عامًا يتساءل عمّا ينتظره بعد ذلك.

وفي اللحظة التي رفعت فيها إسبانيا كأس العالم، أدار ميسي وزملاؤه ظهورهم لمنصة التتويج، وفضلوا التوجه نحو جماهيرهم.

هناك، ذرف ميسي الدموع.

وفي المدرجات، رفرفت لافتة تحمل صورة ميسي إلى جانب دييغو مارادونا، وقد كُتبت عليها كلمة واحدة:

«تكافل» (Symbiosis).

طوال المباراة، كانت أصداء نهائي كأس العالم 1990 حاضرة بوضوح.

فكما كان الحال آنذاك، دخلت الأرجنتين نهائي يوم الأحد وهي تحمل لقب البطولة. وفي نهائي 1990، لم تسدد الأرجنتين أي كرة بين الخشبات الثلاث أمام ألمانيا الغربية، لكنها تمسكت بالأمل وواصلت المقاومة، بكل ما حملته من يأس وواقعية، حتى احتسبت ضدها ركلة جزاء سجل منها أندرياس بريمه هدف الفوز في الدقيقة 85.

وسار نهائي 2026 على النهج نفسه.

فعندما نجح فيران توريس أخيرًا في كسر التعادل، سقط ميسي على ظهره واضعًا يديه على رأسه. شعر في تلك اللحظة أن كل شيء قد انتهى، وأن العودة هذه المرة لن تكون ممكنة، حتى وإن كان جوليانو سيميوني قريبًا من جر المباراة إلى ركلات الترجيح، بعدما سدد كرته فوق العارضة بدلًا من إسكانها الشباك.

وهكذا، بدا أن مسيرة ميسي في كأس العالم انتهت في المكان ذاته الذي انتهت فيه مسيرة دييغو مارادونا؛ على أكبر مسرح كروي في الولايات المتحدة.

صحيح أن ميسي لم يصرخ بجنون أمام عدسات الكاميرات كما فعل مارادونا بعد هدفه في مرمى اليونان بمدينة بوسطن، ولم يغادر البطولة وسط فضيحة أو مطاردًا بأشباحه، كما حدث لمارادونا عندما جاءت نتيجة فحصه إيجابية لخمس مواد محظورة من مشتقات الإيفيدرين بعد مباراة الأرجنتين الثانية في دور المجموعات أمام نيجيريا على ملعب فوكسبورو.

أما ميسي، فلم يغادر وسط الغضب أو المرارة.

بل كانت المشاعر الطاغية هي الحب، والامتنان، والرغبة العارمة في نهاية مختلفة.

كتب الروائي الأمريكي فرنسيس سكوت فيتزجيرالد ذات مرة:

«أرني بطلًا، وسأكتب لك مأساة.»

لكن هذه لم تكن مأساة.

ففي الليلة التي سبقت النهائي، نشر ميسي عبر حسابه في إنستغرام:

«مهما حدث غدًا، فإن هذه المجموعة كتبت بالفعل قصة لن ننساها أبدًا، ولن يستطيع أحد محوها.»

في عام 2021، تُوجت الأرجنتين بلقب كوبا أمريكا للمرة الأولى منذ 28 عامًا، ثم احتفظت باللقب لاحقًا.

وفي عام 2022، أحرزت كأس العالم للمرة الأولى منذ 36 عامًا، وكانت على بُعد خطوة من الاحتفاظ به أيضًا.

وخارج أحد الفعاليات في نيويورك قبل النهائي، قال أحد الحاضرين لميسي:

«مسيرتك تشبه لعبة فيديو؛ ففي كل مرة تفتح مستوى جديدًا حتى تصل إلى النهاية.»

فابتسم ميسي وأجاب:

«لقد أنهيت اللعبة بالفعل في كأس العالم الأخيرة في قطر.»

ورغم أن كيليان مبابي حصد الحذاء الذهبي بعد مباراة تحديد المركز الثالث أمام إنجلترا، وتجاوز ميسي ليصبح الهداف التاريخي لكأس العالم، فإن العديد من الأرقام القياسية الأخرى في تاريخ البطولة لا تزال تحمل اسم ليونيل ميسي.

وأثناء سيره داخل النفق المؤدي إلى غرف الملابس، خيم شعور بالحنين إلى عالم يوشك على الاختفاء.

كيف سيبدو كأس العالم من دون ميسي؟

كانت مشاركته السادسة، والتي تبدو على الأرجح الأخيرة، استثنائية في معظم فصولها.

وفي بطولة طغت عليها الأزمات والجدل، من إلغاء التأشيرات إلى قرارات إيقاف اللاعبين، أعاد ميسي الأنظار إلى كرة القدم نفسها، وأنقذ كأس العالم من كثير من الجدل الذي أحاط بالفيفا.

قد يواصل جياني إنفانتينو زيادة عدد المنتخبات المشاركة في البطولة، لكن هناك حقيقة واحدة تبقى مؤكدة:

سيظل كأس العالم من دون ليونيل ميسي بطولة تفتقد جزءًا من روحها.

أضف تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *